كتب: محمد بركات
في منطقة تتشابك فيها الجغرافيا بالتاريخ وتتقاطع فيها المصالح بالطموحات، تبرز العلاقات الإيرانية التركية بوصفها واحدة من أكثر علاقات الجوار تعقيدا وحساسية. ورغم ما يبدو من تعاون اقتصادي ومواقف مشتركة في بعض الملفات، فإن التنافس الإقليمي وسباق النفوذ ظلا حاضرين بقوة.
توتر ازدادت حدته في الآونة الأخيرة مع تكرار محاولات أنقرة نسب عدد من الرموز الثقافية والمدن التاريخية إلى ما تُسميه الجغرافيا المعنوية للعالم التركي، في تحرك يثير مخاوف طهران من امتداد المشروع القومي التركي على حساب الهوية التاريخية والحضارية الإيرانية.
فخلال مؤتمر صحفي عقد الاثنين 24 مارس/آذار 2025، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مدينة تبريز الإيرانية بأنها جزء من الجغرافيا المعنوية للعالم التركي، حيث قال: “من سوريا إلى غزة، ومن حلب إلى تبريز، ومن الموصل إلى القدس، يرقد الشهداء من جميع أرجاء جغرافيتنا المعنوية جنبا إلى جنب في جنق قلعة”، في إشارة إلى معركة جناق قلعة التي خاضها العثمانيون في الحرب العالمية الأولى.
وأضاف أردوغان: “إن روح جنق قلعة تجسد هذه الروح الجماعية والمصير المشترك”، مؤكدا وحدة الشعوب التي تنتمي، بحسب تعبيره، إلى الجغرافيا المعنوية التي تضم مدنا من عدة دول، من ضمنها إيران.
هذا ولم تكن تلك المرة الأولى التي يذكر فيها أردوغان إيران ورموزها خلال خطاباته، فخلال كلمته الخاصة للتهنئة يوم السبت 22 مارس/آذار 2025 بعيد النيروز، العيد الوطني الأهم في إيران، دعا أردوغان إلى إدراج هذا اليوم ضمن المناسبات الرسمية في التقويم التركي كإحدى المناسبات، كما أعلن عن استعداده لتقديم مشروع قانون إلى البرلمان يُعلن يوم النيروز، الموافق لـ21 مارس/آذار، مناسبة وطنية تحت اسم الربيع والأخوة.
تلك التصريحات التي علق عليها إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، على حسابه بمنصة إكس، الاثنين 24 مارس/آذار، قائلاج: “إن تصريحات الرئيس التركي التي قال فيها إن عيد النيروز هو أيضا يوم احتفال للناطقين بالتركية ويسهم في تعزيز تضامنهم، تعكس عمق وغنى الرسالة السامية التي يحملها عيد النيروز”.
وأضاف: “نحن نفخر بأن النيروز الإيراني، بما يحمله من رسالة إنسانية وثقافية رفيعة، يُحتفى به اليوم من قبل عدد كبير من الشعوب والأعراق، من بينها الأتراك، والعرب، والأكراد، والبلوش، والتركمان، والأوزبك وغيرهم، ما ساهم في تعزيز الروابط الإنسانية والثقافية والاجتماعية بين الشعوب والأقوام في منطقة واسعة تمتد من شرق آسيا إلى غربها وما بعدها”.
عن أي تبريز تتحدث؟
أثارت تلك تصريحات ردود فعل في الصحافة الإيرانية، أبرزها كان تقرير موقع “خبر فوري” الخميس 27 مارس/آذار 2025، والذي جاء تحت عنوان في أي مدينة إيرانية يطمع أردوغان.
فقد جاء في التقرير: “في الأسابيع الأخيرة، أثار الرئيس التركي أردوغان الجدل مجددا بتصريحات استفزازية بشأن مدينة تبريز الإيرانية، واصفا إياها بأنها جزء من الجغرافيا المعنوية للعالم التركي، زاعما أن الشهداء يرقدون جنبا إلى جنب من سوريا إلى غزة، ومن حلب إلى تبريز، ومن الموصل إلى القدس. هذه التصريحات لا أساس لها تاريخيا، وتدل على جهل بتاريخ إيران العريق ومكانة تبريز كمدينة إيرانية أصيلة”.
وقد عرض التقرير تاريخ المدينة أمام الزحف العثماني، حيث كتب: “إن تبريز، العاصمة السابقة لإيران وإحدى مدن أذربيجان المهمة، لطالما واجهت تهديدات خارجية، خاصة خلال العصر الصفوي، حيث كانت العاصمة الصيفية للدولة الصفوية وتعرضت مرارا لهجمات العثمانيين. إلا أن مقاومة أهل تبريز الشرسة ووحدة صفهم أحبطتا تلك المحاولات”.
ويتابع: “من أبرز هذه المواجهات كانت حملة السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1534، والتي انتهت بهزيمته على يد القوات الصفوية بقيادة الشاه طهماسب، الذي لجأ إلى تكتيك الأرض المحروقة لإجبار العثمانيين على التراجع، كما تعرضت المدينة لاحقا لمجازر دموية على يد العثمانيين. رغم ذلك، استمرت مقاومة أهل تبريز”.
ويختتم التقرير بقوله: “تعتبر تصريحات أردوغان محاولة لتزوير التاريخ وإثارة الفتنة بين الشعوب، في حين أن تبريز كانت وستبقى رمزا للهوية الوطنية الإيرانية ومقاومة الاحتلال الأجنبي”.
أردوغان يستغل النيروز ضمن سياسة الخلافة العثمانية الجديدة
وتعليقا على الموقف التركي الأخير من المقدرات الإيرانية، حذر الدكتور نادر انتصار، رئيس كلية العلوم السياسية في جامعة ألاباما الأمريكية، خلال لقائه مع موقع تابناك الإخباري، الخميس 27 مارس/آذار 2025، من محاولات تركيا أردوغان مصادرة عيد النيروز واستخدامه كأداة ضمن ما سماه مشروع الخلافة العثمانية الجديدة.
وأكد انتصار أن أردوغان يسعى منذ سنوات إلى فرض الصبغة التركية على ذلك العيد، خاصة لما له من أهمية ثقافية لدى الأكراد، معتبرا أن هذه المحاولات تعكس سعيه لاستخدام الرموز الثقافية كوسيلة للنفوذ السياسي.
وفي إشارة إلى وصف أردوغان الأخير لمدينة تبريز، فقد اعتبر انتصار أن الرئيس التركي يرى إيران اليوم في أضعف حالاتها منذ قيام ثورتها في العام 1979، ويحاول استغلال هذا الضعف لتعزيز نفوذه في المنطقة، لا سيما في آسيا الوسطى، حيث تراجع دور طهران لصالح أنقرة نتيجة غياب رؤية استراتيجية.
وأكد أن تجاهل الهوية التاريخية والثقافية الإيرانية من قبل النظام الإيراني، والتركيز على البُعد الإسلامي فقط، قد أضعفا النسيج الاجتماعي وسمح لدول مثل تركيا بتوسيع طموحاتها الثقافية والجيوسياسية، منتقدا ردود الفعل الإيرانية القصيرة والارتجالية تجاه مثل هذه التصريحات، ومشددا على ضرورة مراجعة شاملة للسياسات الثقافية وتعزيز التعددية التاريخية التي تشكل هوية إيران الغنية والمتنوعة.
إيران وتركيا.. علاقات مضطربة بين الماضي والحاضر
تعود جذور التوترات بين إيران وتركيا إلى قرون مضت، حين كانت الدولتان تمثلان إمبراطوريتين متنافستين في العالم الإسلامي، الدولة الصفوية في إيران والدولة العثمانية في تركيا. وقد دارت بين الجانبين حروب طويلة، أبرزها الحرب الصفوية العثمانية التي استمرت أكثر من قرن، وانتهت باتفاقية قصر شيرين عام 1639 التي حددت الحدود بينهما، ولا تزال الأساس للحدود الحالية.
كان الخلاف بين القوتين في جوهره دينيا وسياسيا، إذ تبنت إيران التشيع كهوية رسمية، بينما كانت الدولة العثمانية تتزعم العالم السني، مما عمّق الانقسام بينهما، وقد ترافق هذا التنافس مع سعي كل دولة لبسط نفوذها على مناطق مثل العراق، والشام، والقوقاز، وهي مناطق لا تزال حتى اليوم مسرحا لصراع غير مباشر بين الجانبين.
وفي العصر الحديث، ورغم فترات من التعاون خاصة في مجالات الاقتصاد والطاقة، لم تغب مظاهر التوتر عن العلاقات بين طهران وأنقرة. فمنذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، اتخذ البلدان مواقف متضادة؛ حيث دعمت تركيا المعارضة المسلحة، فيما وقفت إيران إلى جانب النظام السوري، مما جعلهما على طرفي نقيض في واحدة من أهم ساحات الصراع الإقليمي.
والخلافات لا تقتصر على الملف السوري، بل تمتد إلى العراق، حيث تختلف أجندة البلدين في التعامل مع الأكراد والميليشيات المحلية، فضلا عن التنافس على النفوذ في كردستان العراق والمناطق ذات الغالبية الشيعية والسنية. كذلك، تتباين مواقف البلدين في ملف أرمينيا وأذربيجان، حيث تدعم تركيا بقوة باكو، بينما تحتفظ إيران بعلاقات وثيقة مع أرمينيا.
وفي آسيا الوسطى، تعتبر تركيا نفسها وريثة القومية التركية وتسعى لتعزيز نفوذها من خلال منظمة الدول الناطقة بالتركية، وهو ما تراه إيران تهديدا لنفوذها التاريخي والثقافي في المنطقة، خاصة في ظل تراجع الحضور الإيراني بسبب العقوبات والتحديات الداخلية.
ورغم أن العلاقات لم تصل إلى حد القطيعة، فإن التنافس الإقليمي، والتباينات العقائدية، والتضارب في المصالح، تجعل من العلاقة بين إيران وتركيا علاقة معقدة، يحكمها التوازن الحذر أكثر من الشراكة الحقيقية، الأمر الذي وصفه صلاح الدین خدیو، الخبير في الشؤون الدولية وباحث في القضايا الكردي، خلال منشور على حسابه عبر تليغرام في 5 مارس/آذار 2025، بأنه أشبه بالزواج الكاثوليكي الذي لا يوجد فيه انفصال كامل حتى لو كره الطرفان بعضهما.