كتب: محمد بركات
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدا متزايدا يوما بعد اليوم، حيث لم تؤد الرسائل المتبادلة بين الطرفين إلى تهدئة التوتر، بل ربما زادت من تعقيد المشهد، فمع تصاعد التهديدات والاستعدادات العسكرية، يثار التساؤل حول مدى اقتراب البلدين من مواجهة مفتوحة، في ظل غموض يكتنف النوايا الحقيقية لكل طرف والسيناريوهات المحتملة للأزمة.
استمرار التهديد الأمريكي
فخلال مقابلة مع شبكة “إن بي سي نيوز” الأمريكية، السبت 29 مارس/آذار 2025، لوح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشن هجوم غير مسبوق على إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاكها سلاحا نوويا، ما عد تصعيد جديدا في وجه إيران.
وخلال المقابلة، أضاف ترامب: “إذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران ولم نحصل على ضمانات بعدم صنعها للسلاح النووي، فسيتم قصف هذا البلد بطريقة غير مسبوقة”.
وتعليقا على تلك التصريحات، كتب إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، على حسابه عبر منصة إكس، الاثنين 31 مارس/آذار 2025، قائلا: “إن لتهديد الصريح بقصف إيران من قبل رئيس دولة هو مواجهة مباشرة مع جوهر السلام والأمن الدوليين”.
وأضاف بقائي أن هذا التهديد يشكل ما وصفه بـ”انتهاك فادح لميثاق الأمم المتحدة وتجاهل صارخ لنظام الضمانات التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية”.
كما أضاف بقائي: “إن العنف يولد العنف، بينما يخلق السلام مزيدا من السلام، فالولايات المتحدة لديها خيار، ولكن مع كل ما يترتب عليه من تبعات”.
جدير بالذكر أن ترامب قد هدد النظام في إيران عدة مرات، آخرها في التاسع من مارس/آذار 2025، عندما أرسل رسالته إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي دعاه فيها إلى التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني، حيث صرح بأن هناك خيارين أمام طهران: إما المفاوضات وإما خيار آخر، وأن إيران لن تملك سلاحا نوويا تحت أي ظرف.
إيران: سنرد على أي اعتداء
لم تكن إيران لتدع هذه التصريحات لتمر مرور الكرام، فخلال خطبة عيد الفطر اليوم الاثنين 31 مارس/آذار 2025، قال خامنئي: “ليعلم الجميع أن مواقفنا ثابتة كما كانت، وأن عداء الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لم يتغير، إنهم يهددون بارتكاب أعمال شريرة، لكننا لسنا متأكدين تماما ولا نرجّح كثيرا أن يأتي الخطر من الخارج”.
وتابع: “ومع ذلك، إذا حدث أي عمل عدائي، فسيكون الردّ الحاسم والموجع أمرا حتميا”.
من جانبه، علق اللواء حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني، في اليوم نفسه، على التصعيد الأمريكي تجاه إيران قائلا: “إن أعداءنا لم يتعلموا العبر من أحداث السنوات الخمس وأربعون الماضية، وأننا مستعدون لتكرار الدروس إذا لزم الأمر”.
هذا، فيما أكد العميد أمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري الإيراني، أن “الولايات المتحدة تمتلك ما لا يقل عن 10 قواعد عسكرية في المنطقة وحول إيران، تضم 50 ألف جندي، ما يجعلها في وضع هش”، في إشارة منه إلى إمكانية ضرب تلك القواعد حال توجيه ضربة لإيران، مضيفا: “إن من يجلس داخل غرفة زجاجية لا يُلقي الحجارة على الآخرين”.
يأتي ذلك في الوقت الذي كشفت فيه صحيفة طهران تايمز الإيرانية الناطقة بالإنجليزية، الأحد 30 مارس/آذار 2025، أنها قد حصلت على معلومات تفيد بأن الصواريخ الإيرانية محمّلة على منصات الإطلاق في جميع المدن الصاروخية تحت الأرض وهي جاهزة للإطلاق، استعدادا لأي هجوم أمريكي إسرائيلي محتمل.
كما أضافت الصحيفة أن فتح صندوق باندورا، في إشارة إلى هجوم أمريكا على إيران، سيكون مكلفا للغاية بالنسبة للحكومة الأمريكية وحلفائها.
هل دقت طبول الحرب بين إيران وأمريكا؟
في ظل تلك الأحداث المتسارعة والتصريحات شديدة اللهجة يبقى السؤال عن مدى واقعية وقوع هجوم أمريكي على إيران، حيث أشارت مصادر مختلفة إلى تحركات غير اعتيادية لسلاح الجو الأمريكي في المنطقة، وضمن ذلك نشر قاذفات B-52 في قاعدة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، وزيادة الرحلات التجسسية فوق الخليج العربي والمياه الإقليمية الإيرانية.
في المقابل، ردت طهران برفض قاطع لأي تفاوض تحت الضغط، وأكدت أنها لن تستسلم لأي مطالب تتجاوز حقوقها السيادية. وقد نقلت إيران موقفها الحازم عبر الوساطات الإقليمية، خاصة من خلال سلطنة عمان.
وفي ظل هذه التطورات، برزت آراء متباينة حول احتمالية نشوب الحرب، حيث يرى بعض المحللين أن التهديدات الأمريكية ليست مجرد استعراض للقوة، بل تمهيد فعلي لضربة عسكرية ضد إيران، وكان من بين هؤلاء جيفري ساكس، الخبير الاقتصادي الأمريكي، الذي حذر من أن إدارة ترامب قد تدخل قريبا في مواجهة عسكرية، مشيرا إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أصبحت خاضعة بالكامل لتأثير إسرائيل، لا سيما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يُعتقد أنه يوجه السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
على النقيض من ذلك، يرى آخرون، مثل البروفيسور جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو، أن ترامب يعتمد على أسلوب المبالغة والتهديدات الكلامية لتحقيق مكاسب سياسية، أكثر من كونه جادا في خوض حرب فعلية، ويشير إلى أن فلسفة ترامب تعتمد على تصعيد التوترات لكسب نقاط تفاوضية دون الدخول في مواجهات مباشرة.
أما من ناحية إيران، فيذكر موقع فرارو التحليلي الإيراني، في تقرير له السبت 29 مارس/آذار 2025، أنه إذا كانت واشنطن تفكر جديا في خيار عسكري ضد إيران، فإنها ستواجه ثلاث تحديات رئيسية، يأتي على رأسها الغموض حول القدرات العسكرية الإيرانية.
فوفقا للتقرير، تعترف مراكز الأبحاث الغربية بعدم امتلاكها صورة واضحة عن القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصا في ما يتعلق بالقواعد الصاروخية تحت الأرض، كما أن التقارير الأخيرة تشير إلى أن إيران تمتلك تقنيات تسليحية متقدمة، مثل الأسلحة البلازمية، التي رصدتها أقمار ناسا الصناعية.
كذلك الآثار الاقتصادية والعسكرية للحرب، حيث إن القيام بأي عمل عسكري ضد إيران سيؤدي إلى اضطراب شديد في التجارة العالمية، خاصة في مضيقي هرمز وباب المندب، مما قد يوجه ضربة قوية لأسواق النفط، هذا في الوقت الذي يعتمد فيه أكثر من 60% من النفط العالمي على الممرات البحرية في المنطقة، ما يجعل أي تصعيد تهديدا مباشرا للاقتصاد الدولي.
أيضا فقد ذكر تقرير الموقع أن التحدي الثالث أمام الإدارة الأمريكية سيكون عدم القدرة على السيطرة على تداعيات الصراع، فاستهداف المنشآت النووية الإيرانية قد يؤدي إلى كارثة بيئية في الخليج تستمر لعقد كامل، ما قد يتسبب في أزمات اقتصادية واجتماعية لدول الخليج.
كما أن التصعيد العسكري قد يدفع إيران إلى الرد عبر حلفائها الإقليميين، مما قد يؤدي إلى تفجير أزمات أوسع في المنطقة.