كتب: محمد بركات
في خضم ظروف داخلية معقدة تمر بها إيران، ومع تصاعد التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الحكومة، تتحول بعض التصرفات الفردية لمسؤولي الدولة إلى قضايا رأي عام، تثار تساؤلات عميقة حول معايير الكفاءة والالتزام بالمصلحة الوطنية.
من بين هذه القضايا، برزت موجة جدل جديدة حول أحد أبرز وجوه الطاقم الحكومي، بعدما أثارت صور ومعلومات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي ردود فعل حادة في الأوساط السياسية والإعلامية، لتفتح فصلا جديدا من الجدل حول أداء المسؤولين ومشروعية وجودهم في مواقعهم.
سفر دبيري ودعوات لإقالته
بدأت القصة في الأيام الأولى من السنة الإيرانية الجديدة، وتحديدا في 25 مارس/آذار 2025، حين تم تداول صور على الشبكات الاجتماعية تُظهر شخصا يشبه شهرام دبيري، نائب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للشؤون البرلمانية، مرتديا ملابس ثقيلة، في لقطات توحي بأنه في طريقه إلى القطب الجنوبي أو أنه وصل بالفعل إلى تلك المنطقة، حيث كتب عليها: “نبدأ رحلتنا للذهاب إلى القطب الجنوبي”.
تلك الصور، التي لم ترفق بتوضيحات رسمية أو مصادر واضحة، أثارت سيلا من التعليقات الساخرة والناقدة، خاصة من نشطاء سياسيين ومعارضين للحكومة، الذين اعتبروا أن السفر إلى القطب الجنوبي في هذا التوقيت، استخفاف بمعاناة الإيرانيين وتجاهل للأزمات الداخلية المتراكمة.
وفي ما بعد، تداول النشطاء صورتين إضافيتين تُظهران دبيري في العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيرس، ما عزز فرضية أن وجهته كانت بالفعل إلى أمريكا الجنوبية وربما باتجاه القطب الجنوبي، باعتبار أن بعض الرحلات الاستكشافية تنطلق من هناك.
وقد أثارت هذه الصور تساؤلات ليس فقط حول الهدف من الرحلة، بل حول مشروعيتها، ومصدر تمويلها، وجدواها في سياق وظيفة حكومية تُعنى بالعلاقات بين البرلمان والحكومة، ولا علاقة لها مباشرة بالشؤون البيئية أو العلمية.
وكان من بين من علق على هذا الخبر، محمد مهاجري، عضو مجلس الإعلام الحكومي، حيث كتب في قناته على تليغرام الثلاثاء 25 مارس/آذار 2025: “خلال اليومين الماضيين، انتشر خبر في الفضاء الافتراضي مفاده أن الدكتور دبيري، معاون الرئيس في الشؤون البرلمانية، قد سافر إلى مكان غير متوقع، القطب الجنوبي، وقد كان من المفترض أن تتفاعل المنظومة الإعلامية للحكومة مع هذا الخبر، وإن كان كاذبا فلتكذّبه”.
وتابع: “حتى لو أنه قد سافر على نفقته الخاصة ودون استخدام المال العام، فإن هذا التصرف لا ينسجم قطعا مع المنهج المستند إلى نهج البلاغة الذي يتبعه السيد بزشكيان، ولذلك يجب استبعاده من الحكومة كعنصر غير منسجم، ومن دون أي تأخير”.
أما محمد فاضلي، المستشار الثقافي لمسعود بزشكيان خلال الانتخابات الرئاسية، فقد صرح: “يا سيد بزشكيان، إذا كان خبر سفر معاونكم إلى القطب الجنوبي صحيحا، فلا تتردد في إقالته، لأنه لم يكن ليعنيه في أي ظرف عصيب يعيش فيه الناس، وتحت إدارة أي رئيس جمهورية، وقرر أن يتوجه إلى القطب الجنوبي، إن إدراك اللحظة هو الحد الأدنى لمهارات العمل السياسي، ولا يمكن استبداله بعبارة هذا على نفقاتي الخاصة”.
النفي الرسمي
لم يتأخر الرد الرسمي كثيرا، حيث سارعت وكالة فارس إلى نشر تقرير، الأربعاء 26 مارس/آذار 2025، يصف قصة سفر دبيري إلى القطب الجنوبي بالخبر الملفق، مؤكدةً أن الصور قديمة ولا تعود إلى رحلات حالية.
كما نفت معاونية الشؤون البرلمانية في رئاسة الجمهورية تلك الأنباء في اليوم نفسه، مشيرة إلى أن نائب الرئيس لم يسافر إلى القطب الجنوبي، وأنه يوجد حاليا في دولة مجاورة للقيام بمهام رسمية لم تُفصح عنها بشكل واضح.
وقد أشارت المعاونية البرلمانية إلى أن الصور المتداولة لا تتعلق برحلة حديثة، وأن استخدامها في هذا التوقيت يأتي في سياق الحملات الموجهة ضد الحكومة ومسؤوليها، واصفةً الأمر بالاستهداف الممنهج، الذي يهدف إلى تشويه صورة السلطة التنفيذية الجديدة بقيادة الرئيس.
غير أن النفي الرسمي لم ينجح في وقف الجدل، بل فتح الباب أمام مزيد من التساؤلات إذا لم يكن دبيري في القطب الجنوبي، فأين هو؟ ولماذا لا يُكشف عن تفاصيل رحلته الخارجية بشكل شفاف؟ وما الهدف من زياراته الخارجية في وقت تتصاعد فيه المطالبات بالتركيز على الأزمات الداخلية؟
انتقادات واتهامات تلاحق دبيري
لم تكن قضية السفر إلى القطب الجنوبي أولى المحطات المثيرة للجدل في حياة دبيري السياسية، فمنذ بداية تسلمه منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون البرلمانية في أغسطس/آب 2024، تعرّض دبيري لحملات انتقادات، خصوصا في ما يتعلق بشبكة علاقاته العائلية وتوظيف أقاربه في مناصب حكومية.
وكان أبرز ما طُرح في هذا السياق هو أن دبيري هو مالك مستشفى في مدينة تبريز، أثار الجدل في السنوات الأخيرة بسبب شبهات مالية وإدارية، كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن عددا من أقاربه يشغلون مناصب رفيعة في الدولة، ما فُسّر على أنه حالة من المحسوبية واستغلال النفوذ.
من بين هؤلاء، يأتي اسم علي رضا رحيمي، الاختصاصي في مجال التأهيل الطبي، وهو صهر شقيق دبيري، والذي عين في الأشهر الأخيرة نائبا لوزير الرياضة لشؤون الشباب، والذي وصفه تقرير صحيفة شرق في 26 مارس/آذار 2025 بأنه لم يكن يمتلك سجلا إداريا بارزا يؤهله لهذا المنصب.
كذلك، فقد ورد اسم مهرداد رحيمي، وهو شقيق صهر شقيق دبيري، والذي تم تعيينه نائبا في المعاونية نفسها التي يترأسها دبيري نفسه، فيما اعتُبر دلالة على تغلغل النفوذ العائلي داخل الجهاز الحكومي.
وزادت الانتقادات بعد تعيين فرزین دبيري، شقيق شهرام، عضوا في هيئة رئاسة اتحاد كرة القدم الإيراني، وهو ما رآه كثيرون استمرارا لنمط التعيينات العائلية دون مراعاة لمعايير الكفاءة والاستحقاق.
جدير بالذكر أن دبيري قد تعرض لانتقادات حادة من نواب البرلمان بسبب أدائه، وذلك خلال جلسة استجواب وزير الاقتصاد السابق عبد الناصر همتي، في أوائل مارس/آذار 2025، والتي انتهت بسحبة الثقة من همتي، حيث اعتبر النواب أن غيابه عن التنسيق البرلماني كان سببا في تمرير الاستجواب، متسائلين عن دوره الحقيقي.
وقد دافع دبيري عن نفسه قائلا إن الاستجواب قرار النواب ولا يمكن منعه إداريا، مؤكدا أنه عقد اجتماعات متعددة مع الوزراء والنواب وقدم التوضيحات اللازمة.
من هو شهرام دبيري؟
شهرام دبيري هو طبيب وسياسي إيراني ينحدر من مدينة تبريز، ويمتلك سجلا أكاديميا ومهنيا في مجال الطب، وتحديدا في إدارة المؤسسات الصحية.
بدأ حياته العامة من خلال رئاسته لمجلس بلدية تبريز، حيث شغل هذا المنصب لفترات متقطعة، وبرز خلاله كأحد الوجوه المؤثرة في سياسات التخطيط الحضري في شمال غربي البلاد.
يشتهر دبيري بعلاقاته الواسعة في أوساط النخبة الاقتصادية في تبريز، ويمتلك مستشفى خاصا أثار كثيرا من الجدل في الإعلام المحلي، خاصة في ما يتعلق بإدارته المالية وتسعير خدماته.
ومع وصول مسعود بزشكيان إلى سدة الرئاسة في صيف 2024، اختير شهرام دبيري ليشغل منصب نائب الرئيس للشؤون البرلمانية، ورغم أن تعيينه قوبل في البداية بترحيب من بعض القوى البرلمانية، نظرا إلى تاريخه الطويل في العمل الداخلي، فإن تعيين أقاربه وتصرفاته السياسية لاحقا أثارت موجة من الشكوك بشأن مدى التزامه بمبادئ الشفافية والنزاهة.
وقد عرف عنه في السنوات الأخيرة أنه أحد المقربين من بزشكيان، حيث يجمع بينهما التوجه الإصلاحي وخلفية العمل في شمال غربي إيران، لكن محللين يرون أن دبيري لا يملك الحضور الشعبي أو الزخم السياسي الكافي الذي يؤهله للاستمرار في منصب رفيع لفترة طويلة، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات ضده.