ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
أجرت صحيفة “قدس ديلي” الإيرانية الأصولية، يوم السبت 22 مارس/آذار 2025، حوارا مع محمدرضا واعظ مهدوي، رئيس الجمعية العلمية لاقتصاد الصحة وعضو المجلس الأعلى للبحث والتكنولوجيا، حول تأثير القرارات المتعلقة بسعر الصرف على أزمة الأدوية في إيران.
وأشار واعظ مهدوي في حديثه للصحيفة، إلى أن إيران، رغم إنتاجها أكثر من 90% من احتياجاتها الدوائية وتحولها إلى واحدة من أكبر مصدري الأدوية في المنطقة، لا تزال تواجه تحديات كبيرة. أبرز هذه التحديات هو نقص الموارد المالية، والمشكلات المتعلقة بسعر الصرف، وتقلب أسعار الأدوية، مما يزيد الضغط على النظام الصحي في البلاد.
ويُذكر أن واعظ مهدوي، بجانب أدواره البحثية، عضو في أكاديمية العلوم الطبية ومدير مؤسسة “همدلان آیندهنگر” الخيرية في سيستان وبلوشستان، وله العديد من المؤلفات في مجالات عدم المساواة الاجتماعية، والصحة العامة، والتنمية المستدامة.
وإلى نص الحوار:
ما هو موقع إيران في اقتصاد الصحة؟ وهل أصبحت بالفعل وجهة علاجية رئيسية في المنطقة؟
يعد النظام الصحي في إيران من القطاعات التي حققت أداء لافتا ومقبولا. وفقا للإحصاءات، وصل متوسط العمر المتوقع في إيران إلى 74 عاما، بينما كان يتراوح بين 50 و52 عاما خلال الفترة من 1962 إلى 1979، مما يعكس زيادة ملحوظة بواقع عامين فقط.
لكن بعد انتصار الثورة الإسلامية، وبفضل إنشاء شبكة الرعاية الصحية وتنفيذ إصلاحات واسعة في قطاع الصحة، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 54 إلى 64 عاما خلال العقد الأول من الثورة، رغم الحرب والعقوبات الاقتصادية. واستمر هذا التحسن بشكل مطرد خلال السنوات اللاحقة.
ما هو الوضع الحالي؟
شهدت إيران توسعا كبيرا في الجامعات الطبية، ما أدى إلى تدريب كوادر طبية مؤهلة على مستوى البلاد. كما ارتفعت جودة الخدمات الصحية بشكل ملحوظ، بحيث لم يعد المواطنون بحاجة للسفر للخارج لتلقي العلاج، مع توافر أحدث التقنيات الطبية والأدوية والمعدات داخل البلاد.
أصبحت إيران وجهة علاجية رئيسية للمرضى من دول الجوار مثل العراق والدول العربية وباكستان وأفغانستان وأذربيجان وتركمانستان، الذين يتوافدون سنويا للحصول على الرعاية الصحية. وهذا يعكس المعايير العالية التي يتمتع بها النظام الصحي الإيراني على مستوى المنطقة.
ما العوامل التي ساعدت إيران في السيطرة على الأمراض؟
يُعد برنامج الأدوية الجنيسة (الأدوية المكافئة) من أبرز إنجازات قطاع الصحة الإيراني، حيث لعب دورا رئيسيا في توفير الأدوية بأسعار منخفضة وضمان وصولها بشكل عادل للمواطنين. كما ساهم هذا البرنامج في تقليل تكاليف العلاج.
وفي السنوات الأخيرة، باستثناء جائحة كورونا، لم تواجه إيران أوبئة واسعة النطاق، ما يعكس فعالية سياساتها في مكافحة الأمراض المعدية. ويُعتبر نظام الرعاية الصحية الإيراني نموذجا عالميا، حيث يعتمد على التكنولوجيا الحديثة وتدريب الكوادر الطبية من داخل المجتمع، ما ساعد في تقديم خدمات صحية ذات معايير مرتفعة.
خصصت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة الإسلامية موارد مالية لدعم القطاع الصحي، حيث يتم تخصيص 1% من ضريبة القيمة المضافة للقطاع الصحي، و10% من رسوم التأمين على السيارات لتغطية تكاليف علاج المصابين في الحوادث. كما تم فرض ضرائب على السجائر والمنتجات الضارة بالصحة ضمن السياسات المالية المستمرة.
ورغم هذه الإنجازات، لا يزال القطاع الصحي الإيراني بحاجة إلى مزيد من الإجراءات التكميلية والدعم الحكومي لتعزيز استدامته وتحسين جودة الخدمات الصحية.
ما تأثير القرارات المتعلقة بالعملة الأجنبية على أزمة الأدوية في البلاد؟
من أبرز التحديات التي أثرت على النظام الصحي في إيران خلال السنوات الأخيرة، هو التغيير في السياسات المتعلقة بالعملة الأجنبية في قطاع الأدوية.
في عام 2020، ارتفع سعر صرف العملة المخصصة للأدوية من 4.200 تومان إلى 28.000 تومان، بهدف القضاء على تعددية أسعار الصرف ومنع التهريب. لكن هذه الخطوة أدت إلى زيادة حادة في أسعار الأدوية وارتفاع حاجة مصانع الأدوية إلى السيولة النقدية. ومع عدم توافر السيولة الكافية للمصانع، انخفض الإنتاج وتوافر الأدوية في السوق.
ومع زيادة سعر الصرف وتراجع قيمة العملة الوطنية، وصلت أسعار الأدوية إلى مستويات لم يعد حتى مؤيدو تحرير سعر الصرف قادرين على الدفاع عنها.
لماذا يُعتبر قرار وزارة الصحة تخصيص العملة للأدوية بسعر 28.500 تومان مهما؟
أعلن وزير الصحة أنه في العام المقبل سيتم تخصيص العملة للأدوية والمعدات الطبية بسعر 28.500 تومان. هذا القرار يعيد مرة أخرى نظام تعددية أسعار الصرف، ولكن بفارق أكبر بكثير، حيث وصل الفارق بين السعر الرسمي البالغ 28.500 تومان وسعر السوق الحرة الذي بلغ 94.000 تومان إلى نحو 70.000 تومان. المدافعون عن توحيد سعر الصرف الذين كانوا يحذرون من فارق 35 إلى 40 ألف تومان، يواجهون الآن تحديا في تفسير هذا الفارق الكبير.
ما هو وضع المرضى؟ وكيف زاد ارتفاع سعر صرف الأدوية من معاناتهم؟
شكَّل ارتفاع أسعار الأدوية عبئا كبيرا على المواطنين، واضطر العديد من المرضى إلى شراء أدوية بأسعار تضاعفت أربع إلى خمس مرات. وتضرر المرضى غير المشمولين بالتأمين بشكل أكبر، حيث أظهرت التقارير من الصيدليات أن نحو ثلث المرضى أعادوا وصفاتهم الطبية بعد رؤية الأسعار الجديدة، مما دفعهم إلى العدول عن شراء الأدوية.
هذا الوضع يعكس أزمة حادة في إمكانية الحصول على الأدوية، ويظهر التأثير المباشر للسياسات النقدية على صحة المواطنين. وعليه، فإن مسؤولية وزارة الصحة تتمثل في إيجاد حلول لهذه الأزمة، خصوصا في ظل المخاطر التي قد يتعرض لها المرضى بسبب عدم قدرتهم على شراء الأدوية.
هل يستطيعون تبرير سياسات جعلت الناس يخشون حتى من مجرد الإصابة بالمرض؟
اليوم، يواجه العديد من المرضى عبئا إضافيا بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار الأدوية، وهو أمر يتناقض مع السياسات العامة للبلاد. وهذه التداعيات الناتجة عن السياسات الاقتصادية الخاطئة تزيد من الضغوط على المواطنين.
هل يمكن تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية بحيث يتم توزيع تكاليف الرعاية الصحية بعدالة بين جميع فئات المجتمع؟
يجب ألا يتحمل المواطنون تكاليف الرعاية الصحية بشكل مباشر. وفقا للدستور، يعتبر الحصول على الخدمات الصحية حقا للجميع، ومن ثم يجب أن توفر الحكومة هذه الخدمات من خلال الموارد العامة.
في ما يتعلق بالقطاع الخاص، ينبغي للحكومة اتخاذ سياسات تقلل من التكاليف الإجمالية على هذا القطاع، خاصة في مجال الأدوية، لتتمكن المصانع من تقديم الأدوية بأسعار منخفضة.
هل يمكن للحكومة خفض سعر الصرف المخصص للأدوية لتقليل أسعارها؟
بالتأكيد، يمكن تخصيص العملة الأجنبية بأسعار أقل من الأسعار الحالية، مما سيؤدي إلى انخفاض التكلفة النهائية للأدوية وتخفيف الأعباء المالية على شركات التأمين الصحي، ومن ثم دفع المواطنين مبالغ أقل مقابل الخدمات الصحية والعلاجية.
هل يمكن استغلال إمكانات إيران في التعاون الدولي؟
إيران دولة ذات دخل قومي مرتفع وموارد غنية، ومن غير المنطقي أن تكون في حاجة للحصول على مساعدات دولية في مجال الأدوية والعلاج. يجب أن تُدار الموارد المحلية بشكل يضمن دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
ما هي التعديلات المطلوبة في السياسات الصحية لمواجهة ظاهرة الشيخوخة؟
تزايد نسبة كبار السن يتطلب تطوير سياسات صحية تناسب هذه الفئة. ينبغي زيادة الوعي حول أهمية النشاط البدني وتجنب السمنة والاهتمام بنمط الحياة الصحي، من أجل ضمان شيخوخة أكثر صحة.