كتب: ربيع السعدني
تخيَّل قائدا يقود السفن عبر أمواج الخليج المتلاطمة في زمن الحرب، ثم يجلس على طاولة المفاوضات ليرسم خريطة السلام الإقليمي، ويعود في 2025 ليشرف على الملف الأكثر حساسية: “النووي”.
هذا هو علي شمخاني، الرجل الذي ارتقى من ميادين القتال والجبهة إلى عضوية مجمع تشخيص مصلحة النظام ومستشار سياسي للمرشد، حاملا إرثا عسكريا ودهاءً سياسيا يجعلانه ركيزة في صياغة مستقبل إيران.
من عرب الأهواز
وُلد شمخاني عام 1955 في الأهواز بمحافظة خوزستان الإيرانية، من أصول عربية (عرب الأهواز)، وسط بيئة شكَّلتها الثورة، ولعب دورا في تشكيل المجموعات النضالية، والحركات الثورية.
وبعد فترة قصيرة، أُلقي القبض عليه من قبل لجنة مكافحة التخريب “كميته مشترك” في منظمة المخابرات والأمن القومي “السافاك” في نظام شاه إيران، لكن هذا قاده إلى الالتقاء بقادة بارزين داخل السجن وعلى رأسهم، محسن رضائي وغلام علي رشيد، وتم تشكيل جماعة “منصورون” المسلحة بهدف القيام بنضال مسلح ضد النظام البهلوي “محمد رضا بهلوي”.
وبعد انتصار الثورة، انضم علي شمخاني في البداية إلى اللجنة الثورية بسبب خلفيته العسكرية ثم التحق بعضوية الحرس الثوري منذ عام 1979، ويعد أحد مؤسسيه الأوائل، مما دفعه إلى تولي مسؤوليته الأولى كقائد للحرس في محافظة خوزستان في عام 1979 في سن الـ24.
مع بداية الحرب المفروضة في عام 1970، شارك في الحرب كواحد من كبار القادة حتى تمت ترقيته إلى منصب نائب القائد العام للحرس الثوري “محسن رضائي” في عام 1980.
وفي عام 1986، تولى قيادة القوات البرية للحرس الثوري واحتفظ بمنصبه، ثم بين عامي 1988 و1990 شغل منصب نائب الاستخبارات والعمليات في مكتب القائد الأعلى في الحكومة.
ومع انتهاء الحرب المفروضة تم نقله إلى الجيش الإيراني برتبة عميد بأمر من القائد الأعلى وتولى قيادة القوة البحرية لهذه المنظمة العسكرية، كما تولى قيادة القوات البحرية للحرس الثوري مع الحفاظ على منصبه.
- من أبرز أقوال شمخاني:
أميرال خلفي
وقد وصل شمخاني إلى رتبة لواء بحري، أو أميرال خلفي (Rear (admiral في عام 1999، وحصل حتى الآن على 3 ميداليات نصر من المرشد الأعلى، ثم شغل منصب وزير الدفاع والدعم للقوات المسلحة في طهران، لمدة 8 سنوات.
وفي انتخابات عام 2001 ترشح علي شمخاني لانتخابات الرئاسة وسجل نفسه ليجرب حظه في هذا المجال، لكنه في النهاية فشل في الوصول إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد، حيث حصل على نسبة ضئيلة جدا من الأصوات (نحو 2%) فقط. لاحقا تم تعيينه في مجلس وزراء الحكومة الثامنة للمرة الثانية وزيرا للدفاع وشغل هذا المنصب حتى عام 2005.
ومع تولي حكومة محمود أحمدي نجاد السلطة في عام 2006، تولى شمخاني رئاسة لجنة الدفاع والأمن والمجلس التوجيهي للعلاقات الخارجية حتى 9 سبتمبر/أيلول 2013، وبأمر من حسن روحاني، حل محل سعيد جليلي كأمين للمجلس الأعلى للأمن القومي.
وفي 22 مايو/أيار 2023، عُيِّن شمخاني مستشارا سياسيا للمرشد خامنئي وعضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام.
ما قصته مع الملف النووي؟
على صعيد آخر أدى خبر زيارة علي شمخاني لمنظمة الطاقة الذرية، الذي نُشر على موقع المنظمة وزعموا أنه “المسؤول عن الملف النووي” إلى تضليل وسائل الإعلام الرسمية، وتحوَّل انتشار هذا الخبر “الكاذب” على نطاق واسع إلى جدل إخباري حول وجود فرد في الملف النووي، والذي كان، بحسب مراقبين سياسيين، إحدى العقبات الرئيسية أمام الاتفاق النووي في الحكومة الثانية عشرة.
- من أبرز أقوال شمخاني:
هل كان شمخاني عقبة في طريق الاتفاق النووي؟
بالنظر إلى تاريخ شمخاني في خلق العراقيل في عملية الاتفاق النووي في بداية انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة وفي الأشهر الأخيرة من الإدارة الثانية عشرة، فإن هذا الادعاء لم يؤخذ على محمل الجد، فمن الناحية الرسمية، لا يزال الملف النووي الإيراني تحت إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية، فيما تتولى منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الجانب الفني فقط.
- محمد جواد ظريف:
سجل غامض
في تصريحات شمخاني في مقابلة ديسمبر/كانون الأول 2024، خصص لنفسه لقب “المسؤول عن الملف النووي”، واعتُبر اختيار شخص لديه، في أحسن الأحوال، سجل غامض في المفاوضات كمسؤول عن الملف النووي أمرا غير مُجدٍ في حكومة جاءت إلى السلطة بشعار التفاوض والاتفاق مع الغرب.
وتشكلت العديد من ردود الفعل على استخدام هذا اللقب من قبل وسائل الإعلام الرسمية للحكومة على شبكات التواصل الاجتماعي، وجاءت الانتقادات عبر منصة إكس على هذا النحو؛ لما أشيع عن المسؤول الحكومي أن علي شمخاني “المسؤول عن الملف النووي الإيراني”.
ودوَّن حساب آخر ساخرا من المنصب الجديد: “يبدو أن علي شمخاني هو المسؤول عن الملف النووي الإيراني، لا يوجد شيء أفضل من هذا!”.
الوساطة الإقليمية
ومن إنجازاته البارزة، قيادته لمفاوضات إعادة العلاقات مع السعودية في مارس/آذار 2023 بوساطة صينية، حيث قال في تصريح نقلته وكالة “إرنا” في 20 مارس/آذار 2025:
“إزالة سوء الفهم، وتطلعات المستقبل في العلاقات بين طهران والرياض ستؤدي بالتأكيد إلى تحسين الاستقرار والأمن الإقليميين، وزيادة التعاون بين دول الخليج الفارسي والعالم الإسلامي لمواجهة التحديات الحالية”، هذا الاتفاق أعاد فتح السفارات بعد قطيعة سبع سنوات، معززا دوره كمهندس للدبلوماسية الإقليمية.
مستشار سياسي لخامنئي
في 2025، وبناءً على تطورات حديثة، يُفترض أن شمخاني عُيِّن رئيسا للملف النووي في هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، إضافة إلى منصبه كمستشار سياسي للمرشد، وفقا لما أشارت إليه تقارير على منصة “X” في فبراير/شباط 2025، وهذا الدور يعكس مدى ثقة النظام بخبرته الاستراتيجية، خاصة مع تصاعد التوترات حول البرنامج النووي ومحاولات إيران تعزيز موقفها في المفاوضات الدولية.
يؤمن المستشار السياسي لخامنئي بأن التكنولوجيا النووية لن تخلق قيما كبيرة للبلاد في قطاع إنتاج الطاقة النظيفة والمتجددة فحسب، بل إنها حاسمة وفعالة للغاية أيضا في مجالات أخرى هامة مثل الزراعة والطب والأدوية وإدارة موارد المياه والبيئة.
- من أبرز أقوال شمخاني:
▪︎“إن الاستقلال العلمي لإيران في هذا المجال أثار قلق بعض القوى”
مؤلف أول عقيدة استراتيجية بحرية
كما يُرجح أن يكون شمخاني قد أشرف على تطوير سياسات نووية تجمع بين الحزم والمرونة، مستفيدا من خلفيته العسكرية ورؤيته الدبلوماسية لمواجهة الضغوط الغربية بصفته مستشارا سياسيا للمرشد الإيراني.
وأكد شمخاني لوكالة تسنيم للأنباء، التابعة للحرس الثوري، أن هدف إيران من دخول “محادثات فيينا” هو رفع أو تخفيف العقوبات غير القانونية وتحقيق فوائد اقتصادية شاملة ومستدامة، وتمت هذه المفاوضات بين الإيرانيين ومجموعة (4+1)، وأجرى الفريق التفاوضي الأمريكي برئاسة روبرت مالي مشاورات أيضا مع مجموعة (4+1).
وأضاف: “إن أي اتفاق لا يوفر المبدأين المذكورين من خلال تقديم ضمانات موثوقة من الولايات المتحدة وأوروبا لن يكون مفيدا لإيران”.
إضافة إلى دراسته بالجامعات العسكرية العليا والاستراتيجية، حصل شمخاني على شهادة عليا في الهندسة الزراعية من جامعة الشهيد جمران بالأهواز، وهو مؤلف أول عقيدة استراتيجية بحرية إيرانية، فضلا عن عقيدة التوفيق بين الاستراتيجيات الأمريكية والسوفيتية، ويقوم أيضا بالتدريس في الأكاديميات العسكرية للعلوم.
يتميز شمخاني بحزم القائد الميداني وبراغماتية السياسي، مع نهج معتدل يميزه عن المتشددين، وهو حامل شهادة في الهندسة الزراعية، لكنه اختار مسارا عسكريا وسياسيا يعكس قدرته على التكيف.
رغم الجدل الدائر حول عائلته واتهامات الفساد، يبقى شخصية لا تُمحى في النظام.