كتب: مصطفى أفضل زادة، مراسل “زاد إيران” في طهران
ترجمة: علي زين العابدين برهام
في الأسابيع الأخيرة، شنت الولايات المتحدة سلسلة من الضربات الجوية على مواقع في اليمن، في محاولة للحد من هجمات القوات اليمنية على مصالحها في المنطقة. غير أن هذه العمليات، التي تندرج ضمن استراتيجية الردع تجاه الفصائل المدعومة من إيران، لم تفلح في وقف الهجمات، بل أسهمت في تعقيد المشهد الأمني الإقليمي.
وقد أقر البنتاغون بأن اليمنيين لا يزالون قادرين على استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، بينما يرى المحللون أن الطبيعة غير المتكافئة والمحلية لهذه الجماعات تحدّ بشكل كبير من قدرة الولايات المتحدة على المناورة العسكرية.
ويحذر الخبراء من أن عجز واشنطن عن تحقيق انتصار استراتيجي ضد قوات يمنية غير نظامية، يجعل أي تصور لنصر سريع أو حاسم ضد إيران— الدولة التي يبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة، وتمتلك بنية دفاعية متطورة وشبكة إقليمية واسعة من الحلفاء— أمرا بعيدا عن الواقع.
فقد أظهرت الحرب في اليمن محدودية فاعلية الاستراتيجية العسكرية الأمريكية عند التعامل مع تهديدات معقدة غير حكومية وإقليمية.
في ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن لأي ضربة عسكرية أن توقف البرنامج النووي الإيراني دون التسبب في اضطرابات أوسع في المنطقة؟ ووفقا لتقارير حديثة صادرة عن مراكز أبحاث غربية مرموقة، فإن الإجابة القاطعة على هذا السؤال هي “لا”.
تاريخ من الرهانات العسكرية الفاشلة
على مدى ما يقرب من عقدين، ظلت فكرة قصف البنية التحتية النووية الإيرانية محل نقاش مستمر في واشنطن وتل أبيب. لكن التحليلات الحديثة تؤكد أن هذه المخططات تعاني من أوجه قصور جوهرية. فقد خلص أحد أبرز مراكز الأبحاث الدفاعية في بريطانيا، إلى أن أي هجوم عسكري لن يكون قادرًا على إلحاق ضرر دائم بالبرنامج النووي الإيراني.
فمواقع مثل منشأة فردو، المحصنة في أعماق الأرض، تكاد تكون عصية على الضربات الجوية التقليدية. ووفقا لتحليل الباحثين دايا دولزيكوفا وجاستين برانك من المعهد ذاته، حتى مع الدقة العالية للقدرات الإسرائيلية والتفوق الجوي الأمريكي، فإن احتمالية تعطيل البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل دائم تبقى ضئيلة للغاية.
التحديات التقنية هائلة، فالبرنامج النووي الإيراني يتميز باللامركزية، والتحصين الشديد، والهيكلية المعقدة متعددة الطبقات. وحتى لو تم تدمير منشآت رئيسية مثل نطنز، فإن إيران قادرة على نقل عمليات التخصيب إلى مواقع أخرى.
علاوة على ذلك، فإن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي أشارت إليه تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قد يُوجَّه نحو الاستخدام العسكري في منشآت سرية، بعيدًا عن أعين الاستخبارات الغربية.
التداعيات: من الحسابات الاستراتيجية إلى العواقب الدبلوماسية
يحذر خبراء معهد تشاتام هاوس البريطاني من أن الضربات الجوية قد تؤدي إلى تصعيد العنف في المنطقة، دون أن تغيّر الحسابات الاستراتيجية لطهران. ففي مذكرة نُشرت في مارس/آذار 2025.
يرى الباحثان فارع المسلمي وتوماس جونو أن الضغط العسكري على حلفاء إيران الإقليميين، مثل القوات اليمنية، لم يضعف موقف طهران، بل عززه. فبدلا من دفع إيران نحو طاولة المفاوضات، من المرجح أن تؤدي مثل هذه العمليات العسكرية إلى تصعيد العداء وتفاقم التوترات.
أي عمل عسكري ضد إيران سيستدعي ردّا انتقاميا شبه مؤكد، سواء بشكل مباشر من طهران أو عبر حلفائها الإقليميين. فقد أثبت كل من حزب الله في لبنان، والفصائل الشيعية في العراق، والقوات اليمنية قدرتهم واستعدادهم لاستهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
كما أن تصاعد التوترات قد يجرّ المنطقة إلى صراع أوسع، لا يقتصر على إيران وإسرائيل فحسب، بل قد يشمل أيضا السعودية، والإمارات، وحتى تركيا، مما قد يؤدي إلى أزمة إقليمية شاملة يصعب احتواؤها.
الحسابات السياسية والتعقيدات القانونية
من منظور القانون الدولي، فإن شن هجوم استباقي على إيران دون تفويض من مجلس الأمن الدولي سيكون انتهاكًا صارخا للقوانين الدولية. وقد أكد معهد كوينسي الأمريكي في تقريره الصادر في مارس/آذار 2025 أن أي عمل عسكري أحادي الجانب لن يواجه فقط إدانة دولية واسعة، بل سيؤدي أيضا إلى تعميق عزلة الولايات المتحدة على الساحة العالمية.
والأخطر من ذلك، أن التوتر المتزايد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بشأن التعامل مع إيران قد يُضعف وحدة حلف الناتو في وقت يُفترض أن يكون فيه أكثر تماسكًا لمواجهة التحديات العالمية.
على الصعيد السياسي الداخلي، ستواجه إدارة ترامب موجة من الانتقادات الحادة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. فالرأي العام في أمريكا وأوروبا يعارض بشدة الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الإرث الثقيل للحربين في العراق وأفغانستان.
ومع تزايد نزعة الانعزال داخل المجتمع الأمريكي، من غير المرجح أن يتقبل الناخبون مبررات مغامرة عسكرية جديدة، مما قد يجعل هذا القرار عبئًا سياسيًا خطيرًا على الإدارة الأمريكية.
التكاليف الاقتصادية والفرص الضائعة
إلى جانب الخسائر البشرية المباشرة، فإن أي حرب ضد إيران ستفرض تكاليف مالية باهظة على الولايات المتحدة. وفقا لتقديرات معهد كاتو الأمريكي، فإن نزاعا عسكريا واسع النطاق قد يكلف مئات المليارات من الدولارات، مما سيؤدي إلى استنزاف الموارد المالية المخصصة للاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، ومكافحة التغير المناخي.
وفي تحليل حديث، أكد الباحث جاستين لوغان أن الولايات المتحدة لا تمتلك أي مصلحة استراتيجية حيوية في إشعال حرب مع إيران، مشيرا إلى أن مثل هذا القرار سيكون مغامرة خاسرة من جميع الجوانب.
أما الفرص الاقتصادية الضائعة، فهي لا تقل خطورة عن التكاليف المباشرة. على سبيل المثال، فإن 8 تريليونات دولار التي أنفقتها الولايات المتحدة في حربي العراق وأفغانستان، كان من الممكن أن تموّل مشروعات تنموية عملاقة بحجم مبادرة الحزام والطريق الصينية.
إن تكرار نفس السيناريو في حرب جديدة ضد إيران سيثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي، مما قد يؤدي إلى دوامة جديدة من الديون والتضخم، ويقوض الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة على المدى البعيد.
ردّ الفعل الإيراني والتداعيات العالمية
حتى في أفضل سيناريو ممكن للحملة العسكرية، حيث يتم تعطيل بعض المواقع النووية الرئيسية مؤقتا، فإن القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية من المرجح أن تسرّع برنامجها النووي بدلا من إيقافه.
وبدلا من التراجع، قد تقرر طهران الانسحاب الكامل من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتحرك سرا نحو امتلاك سلاح نووي. وبالتالي، فإن نتيجة الهجوم العسكري قد تكون عكسية تماما، إذ سيدفع إيران إلى التصعيد بدلا من التراجع.
مثل هذا التصعيد قد يُشعل سباق تسلح نووي في المنطقة، حيث قد تجد السعودية، ومصر، وتركيا نفسها مضطرة لتطوير برامجها النووية الخاصة، مما يزيد من خطر انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
ولهذا السبب، يتفق معظم الخبراء الغربيين على أن الحل المستدام ليس الحرب، بل الدبلوماسية، باعتبارها الوسيلة الوحيدة القادرة على احتواء الأزمة وتجنب كارثة إقليمية ودولية.
نافذة الدبلوماسية لم تُغلق بعد
رغم تصاعد التوترات، لا يزال هناك هامش محدود للدبلوماسية. فقد أعربت إيران مؤخرا عن استعدادها المشروط للعودة إلى المفاوضات، مما يشير إلى إمكانية إيجاد مخرج سلمي للأزمة.
وقد أوصت مراكز أبحاث مثل المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” بأن تركّز الولايات المتحدة على إجراءات لبناء الثقة بدلا من اللجوء إلى القوة، مثل التخفيف الانتقائي لبعض العقوبات أو الاستعانة بوسطاء دوليين لتسهيل الحوار.
حتى إسرائيل، رغم موقفها العلني المتشدد، تُبدي في الدوائر المغلقة شكوكا متزايدة بشأن جدوى الحلول العسكرية. وهذا يعزز الرأي القائل بأن الدبلوماسية لا تزال الخيار الأكثر واقعية واستدامة، مقارنة بالمغامرات العسكرية التي قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب العواقب.
حجة ضد الخيار العسكري
تشير تحليلات أبرز مراكز الأبحاث الغربية إلى استنتاج واضح: العمل العسكري ضد إيران ليس خيارا عقلانيا ولا ممكنا. فهو غير مجد تقنيا، ومحفوف بالمخاطر سياسيا، وكارثي اقتصاديا، ومدمر استراتيجيا. ليس فقط أن البرنامج النووي الإيراني لن يتم تدميره، بل على الأرجح سيزداد تسارعا كرد فعل مباشر.
أما البديل الوحيد القابل للتطبيق فهو الدبلوماسية غير المشروطة من جانب الولايات المتحدة. ورغم أن هذا المسار قد يكون بطيئا، معقدا، ومليئا بالتحديات، إلا أنه يظل أقل تكلفة وأقل خطورة من الفوضى التي ستنجم عن أي مواجهة عسكرية.
وإذا أصغت إدارة ترامب إلى تقييمات الخبراء الواقعيين، فستدرك أن التهديد والضغوط لن تجبر إيران على الاستسلام، بل ستؤدي إلى تصعيد غير محسوب العواقب.