كتب: ربيع السعدني
تخيّل طيارا شابا يقود مقاتلة فوق ساحات الحرب، ثم حاكما يرسم خطوط المستقبل في شوارع طهران المزدحمة، هذا هو محمد باقر قاليباف، أحد أبرز القادة المحافظين الذي انتقل من سماء الثورة إلى رئاسة البرلمان الإيراني في 2020، وعينه على كرسي الرئاسة منذ العام 2005 في بلد يواجه التحديات بقلب لا يعرف الهزيمة.
يراه المحافظون ثوريا مخلصا، لكن الإصلاحيين يعتبرونه تقليديا متشددا، إلا أنه في الوقت ذاته يعتبر نفسه “تكنوقراطيا ثوريا معتدلا”، مما يجعل دوره مثيرا للاستقطاب والحيرة.
- رحلته السياسية
انطلق قاليباف في المعترك السياسي بترشحه للرئاسة أربع مرات (2005، 2013، 2017 و2024)، لكنه اختار في النهاية دعم المحافظين، مما عزز مكانته كلاعب استراتيجي.
وعندما ترشح قاليباف، المرشح الرئاسي للمرة الرابعة، لأول مرة في انتخابات عام 2005، صوّر نفسه على أنه مناصر تنموي وحاول جذب أصوات القاعدة الإصلاحية، أي الطبقة الوسطى.
منذ توليه رئاسة البرلمان في 2020 جعله صوتا محوريا في التشريع، حيث قاد تمرير “قانون المبادرة الاستراتيجية” لتعزيز البرنامج النووي ردا على العقوبات، وساهم في سياسات اقتصاد المقاومة لمواجهة الأزمات.
ومن أبرز اقتباسات قاليباف:
في 2025، يواصل دوره كموازن بين التيارات السياسية، داعما تعزيز العلاقات مع حلفاء إيران الإقليميين والدوليين، يجمع قاليباف بين حزم القائد العسكري وتحليل السياسي، مدعوما بدكتوراه في الجغرافيا السياسية، مما يمنحه رؤية عميقة للتحديات، يُعرف بطموحه الذي يثير الجدل، لكنه يبقى رمزا للعمل الدؤوب.
- بداياته ومسيرته العسكرية
وُلد قاليباف في 23 أغسطس/آب 1961 في بلدة طرقبة التابعة لمحافظة خراسان رضوي، وسط عائلة متدينة ومتواضعة. ومع اندلاع الثورة عام 1979، انخرط في الحرس الثوري وهو في الثامنة عشرة من عمره.
وعن تفاصيل تلك الفترة من حياته يحكي رئيس البرلمان الإيراني: “كان أحد نجاحاتي في بداية الثورة والحرب المفروضة، وذهبت إلى الجبهة للضرورة. وبالطبع، كنت على دراية بالأمور العسكرية قبل دخول الجبهة”.
وأضاف قاليباف لموقع صحيفة “اعتماد أونلاين“: “عندما اندلعت الحرب، ذهبت إلى الجبهة كمقاتل عادي ولم تكن هناك قوات بحرية أو جوية أو برية كما هو الحال اليوم، وكان الباسيج يأتون من أجزاء مختلفة من البلاد وكنا نصل إلى خطوط المواجهة”.
وقال قاليباف: “كان عملنا هو الاستخبارات والعمليات، ومن ثم تم تشكيل الكتائب والألوية، كان أهم شيء في الجبهة هو الجو الروحي والإداري المثالي والرابط الخاص بين المقاتلين، ويتم اختيار الأشخاص على الجبهة بناء على الكفاءة والجدارة”.
خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، قاد وحدات عسكرية في عمليات كبرى، مما أكسبه سمعة عسكرية طيبة. وبحلول 1997، أصبح قائدا لسلاح الجو في الحرس، حيث أدخل تحسينات على الأسطول الجوي.
ثم شغل منصب رئيس الشرطة الوطنية (2000-2005)، بأمر من المرشد الإيراني علي خامنئي، مقدما إصلاحات جذرية كإطلاق نظام “الشرطة 110” للاستجابة السريعة. اتُّهم خلال رئاسته للشرطة، باستخدام القوة المفرطة ضد احتجاجات الطلاب عام 1999، مما أثار انتقادات من الإصلاحيين.
- عمدة طهران
الوجه الحديث في 2005، انتُخب قاليباف عمدة لطهران، واستمر في المنصب حتى 2017. وخلال 12 عاما، حوَّل العاصمة من المدينة المحروقة إلى مدينة أكثر حداثة بمشاريع مثل توسيع مترو طهران (الذي أصبح من أكبر شبكات الشرق الأوسط)، وبناء جسور وطرق سريعة، وتطوير الحدائق العامة.
وبحسب موقع “مشرق نيوز”، يعتقد المجلس البلدي الخامس لمدينة طهران أن الإدارة السابقة لبلدية طهران “تحت عهد قاليباف” تركت لهم ديونا بقيمة 690 تريليون ريال، ولهذا السبب لا يستطيعون القيام بالعديد من الأمور في المدينة، والبلدية ليست في وضع مالي جيد.
فساد مالي
وفي تلك الفترة كانت تحوم حول عمدة طهران الأسبق اتهامات بالضلوع في ملفات فساد مالي منذ رئاسته بلدية طهران 2005، لكنه ظل ينفي هذه التهم، مع ذلك، أصبحت هذه الاتهامات تؤسس لنظرة سلبية تجاهه بين شرائح في المجتمع الإيراني.
يقول قاليباف عن مسيرته: “بعد الحرب، قضيت وقتي في قوات التعبئة الشعبية شبه العسكرية المعروفة بالباسيج، لأنه وفقا للقانون، يجب على القوات المسلحة أن تساعد في تنمية البلاد في أوقات السلم”.
ثم أصبح عضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام، ثم رئيسا لمجلس النواب لدورة واحدة، ثم دخل البرلمان للمرة الثانية.
- رئاسة البرلمان: صانع القرارات
منذ توليه رئاسة البرلمان في 2020، برز قاليباف كقائد برلماني نشط، حيث أشرف على تمرير “قانون المبادرة الاستراتيجية لرفع العقوبات” في 2020، الذي عزز برنامج إيران النووي ردا على انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي.
كما دعم سياسات اقتصاد المقاومة من أجل “التحول الاقتصادي لصالح الشعب” وكذلك لمواجهة العقوبات، وساهم في تعزيز العلاقات مع حلفاء إيران الإقليميين، ودعم تشريعات تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز الإنتاج المحلي، خاصة في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة.
لكن ما هو واضح هو أن البرلمان الإيراني الذي يرأسه محمد باقر قاليباف، أصدر في ديسمبر/كانون الأول 2020، قانونا لإجبار الحكومة على تصعيد الأنشطة النووية بشكل كبير، ما لم يرفع الرئيس الأمريكي آنذاك “جو بايدن” العقوبات الكبرى في غضون 30 يوما من توليه منصبه.
ومن أبرز اقتباسات قاليباف:
وفي عام 2025، يواصل دوره كوسيط بين التيارات السياسية المحافظة والإصلاحية، محافظا على توازن دقيق في ظل التحديات الداخلية والخارجية.
كرئيس برلمان، يواجه رئيس البرلمان انتقادات لعدم تحقيق تحسن ملموس في معيشة الشعب رغم دعمه لاقتصاد المقاومة، وسط استمرار العقوبات والتضخم، على الرغم من تأكيدات قاليباف على قضية المعيشة والاقتصاد التي تعتبر من التحديات الرئيسية التي تواجه البلاد.
وذلك بعد أن تم تهميشها في الجلسات الأخيرة للمجلس بسبب الفوضى وتهميش بعض النواب، وقد أثارت هذه القضية احتجاجات من قبل رئيس مجلس النواب وعدد من النواب، وأثارت مخاوف بشأن إعطاء الأولوية للقضايا الرئيسية في البلاد.
- شخصيته وفلسفته
يحمل قاليباف دكتوراه في الجغرافيا السياسية من جامعة طهران، مما يمنحه رؤية استراتيجية في التعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية كما يظهر في شعاراته مثل “الخدمة والتضحية والتقدم“، لكن شخصيته وقراراته لم تخلُ من الجدل، حيث ينتقده البعض بسبب طموحه السياسي الواضح، خاصة بعد ترشحه المتكرر للرئاسة 4 دورات (2005، و2013، و2017 و2024)، لكنه انسحب في النهاية لدعم مرشحين محافظين.
مؤلفاته
“تطور المؤسسات المحلية في إيران في العصر المعاصر” هو عنوان أطروحته للدكتوراه، “الحكومة المحلية أو استراتيجية التوزيع المكاني للسلطة السياسية في إيران”، و”إيران والدولة التنموية”، و”الشرق الأوسط المعاصر: التاريخ السياسي بعد الحرب العالمية الأولى” هي عناوين الأعمال الثلاثة التي ألفها قاليباف.
ومن أبرز اقتباسات قاليباف؛
محمد باقر قاليباف شخصية متعددة الأوجه، يُحسب له دوره في بناء إيران الحديثة عسكريا وإداريا وسياسيا، لكنه لا يخلو من عيوب وانتقادات ترتبط بأسلوبه وخياراته وسياساته وبحكم منصبه السياسي، ولكن يبقى في النهاية، شخصية محورية تثير الإعجاب والجدل في آن واحد.